"وطن في جسد شجرة"
كانوا يروونَ قديما
حكايةَ شجرة عظيمة...
إذا هبّتْ عليها الريحُ
تشابكتْ أغصانُها،
واحتمى بعضها ببعض،
وكأنها تعرفُ
أن العاصفةَ
لا تميّزُ بين غصن وآخر.
وكانت تلك الحكايةُ
تعجبني كثيرا...
فليس لأنّ كل غصنٍ
كان مستقيما،
ولا لأنّ الأوراقَ
لم تكن تخطئُ طريقها نحو السقوط،
بل لأن الشجرةَ
كانت تعرفُ كيف تحفظُ ظلَّها.
فإذا مالَ غصن
أعادته الجذورُ إلى توازنه.
وإذا أثقلتْه الريحُ
حملته الأغصانُ الأخرى.
أمّا اليوم...
فأشعرُ أنّ شيئا ما
أصابَ الغابة.
صار الغصنُ
ينظرُ إلى الغصنِ المجاور
كأنّه غريب.
وصارت الأوراقُ
تتبعُ الرياحَ العابرة
أكثرَ ممّا تتبعُ الشجرة.
وأصاب العطشُ الجذورَ
دون أن ينتبه أحد.
فتباعدت الأغصانُ
شيئًا فشيئا...
وبردَ الظل
الذي كان يجمعها.
أخافُ أحيانا...
أن تبقى الشجرةُ
واقفة في الصور فقط،
بهيئة كاملة،
بينما تكونُ الحياةُ
قد انسحبتْ من أعماقها.
وأن تظلَّ الأغصانُ
ترفعُ رؤوسها إلى السماء،
وتنسى
أنّها خرجت يومًا
من تراب واحد.
فالكوارثُ الكبرى
لا تبدأُ حين تسقطُ الأشجار،
ولا حين تعصفُ الرياح،
بل حين ينسى الجذرُ
حكايةَ الجذر.
وحين تكتشفُ الأغصانُ
متأخّرة جدا...
أنّها كانت وطنا واحدا
في جسدِ شجرة.
اترك تعليقا:
