لا عيدَ لي… عيدي هو جرحي
لا عيدَ لي هذا المساءُ
فكلُّ أبوابِ الفرحِ التي كانت تُشرِعُ قلبَها لي
أغلقتها الريحُ بوجهِ انتظاري
وكلُّ الطرقِ التي كانت تفضي إليكِ
صارت مقابرَ للخطواتِ
وأنا أمشي فوقها كأنّي آخرُ الناجين من الحنين.
الناسُ يلبسون ضحكاتهم
ويُعلّقون العيدَ على نوافذ البيوت
إلا أنا…
أعلّقُ وجعي على حافة الليل
وأراقبُه يكبرُ مثل يتيمٍ
نسيَ الجميعُ أن يربّتوا على قلبه.
أتعلمين؟
منذ رحيلكِ
وأنا كلما أقبلَ العيد
أشعر أنّ اللهَ اختبرَ قلبي كثيرًا
حتى صار التعبُ صلاةً
وصار الصبرُ مقبرةً مفتوحةً في صدري.
لا تسأليني لماذا لا أفرح
فالفرحُ يحتاجُ وطنًا صغيرًا داخل الروح
وأنتِ كنتِ وطني
وحين رحلتِ
تركتِ البلادَ خرابًا
وتركتِ قلبي بلا مواسم.
العيدُ عند الناسِ
ثيابٌ جديدة
وعناقٌ
وقهوةٌ تفوحُ من الصباح
أما عندي
فالعيدُ ذكرى قديمة
تجلسُ قرب سريري
وتبكي بصوتكِ.
أمي تقول:
“العيدُ رحمة”
وأنا أخشى أن أخبرها
أنّ بعضَ القلوبِ
لا يعيدُها شيء.
أصدقائي يرسلون التهاني
وأنا أفتح الرسائلَ كمن يفتحُ رسائلَ عزاء
أردُّ بابتسامةٍ قصيرة
ثم أعودُ إلى وحدتي
كجنديٍّ نجا من الحرب
لكنه فقدَ كلَّ الذين يحبهم.
لا عيدَ لي…
فالأعيادُ لا تزورُ منازلَ المنكسرين طويلًا
ولا تجلسُ قرب رجلٍ
يحملُ قلبه كحقيبةِ سفرٍ مليئةٍ بالفقد.
أنا رجلٌ
كلما حاولَ أن ينسى
أعادته الذاكرةُ إليكِ
وكلما حاولَ أن يضحكَ
تذكّر أن الضحكةَ ماتت
في آخرِ مرةٍ رأى فيها عينيكِ.
فدعوا الأغاني ترتفع
ودعوا الأطفالَ يركضون نحو ألعابهم
أما أنا
فسأجلسُ بصمتٍ
أرتّبُ جراحِي القديمة
وأقولُ للسماء:
لا عيدَ لي…
فعيدي هو جرحي
وكلُّ عامٍ
وأنا أكثرُ وجعًا من الذي قبله.
بقلمي: الكاتب والشاعر
د. سُداد البغدادي
اترك تعليقا:
