بسم الله الرحمن الرحيم
لا جناح علينا إنْ قلنا أنّ دوام الحال من المحال فالتأريخ أعلمنا أنّ الإمبراطوريات الكبرى مهما بلغت ذروتها وقوتها وعظُمَت سطوتها سيأتي يوماً تضعف فيه وتذوب قواها وطغيانها وتضمحل سطوتها على العالم خاصة عندما تضع الدول العظمى مصالحها فوق إنسانيتها وتضرب بعرض الحائط قيم العدالة وحق الشعوب في الحياة أو عندما يضع السياسي القائد الفرد نفسه وشعبه أعلى من الآخرين أو أن يغلق أبواب البصيرة أمام تجاربهم حتى يصاب بالركود والجمود والمحدودية فالسيف لا يبني أمم والتطور قد يكون وبالاً على المجتمعات إن هي تجردت عن القيم الأخلاقية والدينية أو التربوية والإنسانية حتى تخلق أسس التخريب المجتمعي الذي يمثل نزوع الأفراد الى الإنتحار الذاتي والعنصرية الفوقية القاتلة وهناك شواهد عديدة على ذلك فإمبراطوريات ظهرت ثم تلاشت وذهب ذكرها لأن الإمبراطوريات قد لا تموت من خارجها بل أن نزعات الموت تكون موجودة في سلوكياتها الهوجاء والمتغطرسة وحب السيطرة والتعالي على الآخرين وهكذا كان المغول والفرس والروم والعثمانيين والبريطانيين وغيرهم في شواهد كثيرة عندما إرتفعت راياتهم للمعالي ثم ما لبثت أن خارت قواها وتحولت إلى أطلال في مرحلة سقوط سيكولوجي يصيب الأمم بعد عَظَمَة وتفوق وعلو شأن. إنّ لكل حال في الدنيا خبايا وأسرار في صعوده وشموخه أو في إنحِداره وزوال نفوذه (وهكذا هي الحياة, هكذا تبدأ, وهكذا تنتهي) ومن هنا نقول أن المعطيات على الأرض توضح أفول النجم الأمريكي فقد يكون قريباً والله أعلم أو قد يحدث على المدى البعيد فظهور قوى أخرى في الساحة الدولية بدأت تنافس الولايات المتحدة الأمريكية في قوتها وتمددها وأصبحت تحتل الندية لها والمنافسة القوية لنفوذها ومن هنا فقد نال موضوع إحتمالية صعود منافسين لأمريكا قد يزحونها عن عرش البطولة العالمية حظوة كبيرة ونقاشات ساخنة ودراسات عميقة وتوقعات مختلفة في أروقة النظام العالمي ومراكز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالإعتماد على المعطيات الجيوسياسية والوقائع الاقتصادية الآتية والتي تنحصر بإتجاهين مهمين هما :
1.الإتجاه الأول القوى الأمريكية: لم تعد قوة الدول محصورة بالقوة العسكرية بل تعدى ذلك الى القوة الشمولية التي تكتنز جميع أنواع القوى الصلبة والناعمة والذكية التي تجمع ما قبلها )الاقتصادية والسياسية والعسكرية والتنموية والأمنية والدولية والدبلوماسية والتقنية والإجتماعية وما شابه ذلك) ورغم كل ما يُقال عن التراجع في إرادة القوة الأمريكية الا أن جميع التقارير الدولية تشير الى أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تزال تتقدم على منافسيها في إمتلاك عناصر القوة الهيكلية القادرة على الدخول عند دعوتها للصراع وبالتالي من الصعوبة التفوق عليها وإزاحتها من المنافسة العالمية في المدى القريب.
2. تقدّرّ ميزانية الدفاع الأمريكية لعام 2026م كما أعلنها الرئيس ترامب بحوالي 1,5 تريليون دولار وهي ميزانية تعادل ميزانية دول عدّة تأتي بالقوة بعد الولايات المتحدة الأمريكية كما أن لأمريكا شبكة واسعة من القواعد الجوية المنتشرة حول العالم ولديها القدرة والفاعلية الكبيرة على مجابهة أي قوة منافسة لها في العالم عبر القواعد الجوية والبرية والبحرية إضافة الى إمكانيات حلف شمال الأطلسي وطائراته رغم إمتناع قسم من أعضاء الحلف من مشاركة أمريكا في حربها الأخيرة مع إيران.
3. تمتلك الولايات المتحدة الأمريكية مجمع أمني وإستخباري كبير يضم بحدود 900ألف شخص موزعين في منظمات أمنية وتجسسية تقوم بجمع المعلومات التي يحتاجها رئيس الدولة أو وزارة الخارجية والدفاع أو أي دائرة أمنية معينة وخصصت لها الإدارة الأمريكية حوالي 66 مليار دولار وهذا المبلغ ليس بالأمر الهيّن فقد يستطيع شراء ذمم ملايين من البشر حيث يتولى المجمع الإستخباري الأمريكي جمع وتحليل وتقديم معلومات مهمة وحساسة لدعم قادة الأمن القومي الأمريكي وصناع القرار السياسي والعسكري الأمريكي إبتدءاً من أرض المعركة الى أروقة البيت الأبيض الأمريكي.
4. لا زال الدولار الأمريكي هو العملة الإحتياطية العالمية ولا يزال النظام المالي الدولي يعتمدها مما يمنح الولايات المتحدة الأمريكية قدرة على التأثير في إقتصاديات العالم كما يمنحها فرص غير ممنوحة لأي دولة في العالم في فرض عقوبات إقتصادية على منافسيها أو من يسير في ركابِهم كما يعطيها إمكانية تسوية ديونها بطرق متعددة لا تتوفر لأي دولة في العالم بالرغم من محاولات المنافسين للإعتماد على عملات أخرى لكنها لا تقف حائلاً أما توجهات مؤسسات المال الأمريكي.
5. تتمتع الولايات المتحدة الأمريكية بتفوق تقني كبير يتيح لها فرص الإبتكار في مجالات متعددة بما فيها مجالات الذكاء الصناعي والتكنلوجية الحيوية والتطورات السيبرانية حيث ترفدها مؤسسات علمية كبيرة ومراكز للبحث العلمي والتكنلوجي بمعلومات وخبرات وبحوث تجذب إليها كثير من المهتمين والدارسين وأصحاب العقول النيّرة من جميع أنحاء العالم ويوفر لها إمكانية إستقطاب كثير من الكفاءات العالمية ومؤسسات الإستثمار العالمي.
6. تعتمد الولايات المتحدة الأمريكية في إستغلال الطاقة وسلاسل الغذاء على إنتاجها المحلي وتمتلك موارد طبيعية كبيرة تجعلها قادرة على حماية أمنها الغذائي وسلاسل الإمداد أثناء الأزمات والصراعات الدولية.
ومع كل ما تقدم يمكننا التنبؤ بشدة المنافسة مع قوى دولية أخرى قد تكون نداً قوياً لأمريكا في المستقبل القريب وبالتالي قد يشهد العالم إنتقال واضح بدأت بوادره تظهر بالإنتقال من نظام ( أحادي القطبية ) الى ( الثنائية أوالتعددية القطبية) ويأتي في مقدمة المنافسين:
1.الصين: تمثل الصين منافساً قوياً لأمريكا وتأتي في مقدمة الركب الساعي الى تحقيق المنافسة والتوازن في ميزان القوى الدولية والّذي تُزعج مقدرته على إعادة تشكيل النظام الدولي وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية بالنظر لكونه يملك المقومات التي تؤهله للمشاركة في السباق والتي تتمثل في:
أ. يتمتع الصين بإقتصاد متنامي ومتصاعد ونشيط يرتكز على قوة تصنيعية هائلة ونزوع إستثماري كبير في عدد من المشاريع العملاقة مثل ( مبادرة الحزام والطريق) كما أن تجارته الواسعة جعلته يخترق جميع أسواق العالم بما في ذلك الأسواق الأمريكية والأوروبية.
ب. تتمتع الصين بسياسة دولية ناعمة ودبلوماسية حكيمة مكّنتها من تنشيط علاقاتها الدولية حتى مع خصومها التجاريين إضافة الى عدم تدخلها في الشؤون الداخلية للدول الأخرى كما هو الحال بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية.
ت. تمتلك الصين خبرات تقنية كبيرة وتكنلوجية واسعة مدنية وعسكرية وتقود سباق محموم في مجالات الذكاء الصناعي والإتصالات والمعادن النادرة وتعمد الى تحديث قوتها العسكرية خاصة القوة البحرية مما سبب رعباً وقلقاً للدوائر الأمريكية يزيد من خطورته التواجد الصيني في منطقتي المحيطين الهندي والهادي وخاصة ( تايوان وبحر الصين الجنوبي).
ث. إنّ علاقات الصين مع دول العالم ومحاولات توسع تجاراتها وتبادل خبراتها مع دول العالم في محيطات وأماكن كانت محصورة بالنفوذ الأمريكي وخاصة دول الخليج العربي والشرق الأوسط عامة يجعلها تُمثّل خطر إستراتيجي على مصالح الولايات المتحدة الأمريكية.
ج. الإنحياز الأمريكي التام للمشاريع التوسعية الإسرائيلية وحمايتها من القانون الدولي في أكثر من مرة وإستخدام حق الفيتو ضد أي قرار يمس إسرائيل جعل سياستها منبوذة ليس في خارج أمريكا بل في الداخل الأمريكي نفسه مما يُضعف شأنها الداخلي والخارجي ويدفع بدول العالم الحر للتقارب مع منافسيها.
ح. التقارب الصيني – الهندي حيث تُعد الصين أكبر شريك تجاري للهند حيث بلغ حجم التبادل التجاري بحدود 92 مليار دولار عام 2019م هذه الشراكة تفرض تحديات بالغة الأهمية وتُضيف تعقيداً كبيراً للحسابات الإستراتيجية الأمريكية خاصة بعد الإتفاق التعاوني بين رئيس وزراء الهند نارين دار مودي والرئيس الصيني شي جين بينج خلال قمة شنغهاي التعاونية والّذي يضع حداً للعلاقات القلقة بين الدولتين ويُفضي الى تخفيف التوتر الحدودي بين الهند والصين بعد إن تم استئناف الرحلات الجوية المباشرة كما يُزيد من إحتمالية أن يكون هناك إتفاقيات شراكة تزيل حالة الخصومة بين الطرفين وتبني علاقات مستقبلية مُتنامية كما أحدث إنضمام الهند ودول أخرى مثل البرازيل وروسيا وجنوب أفريقيا ومصر وإثيوبيا الى مجموعة بريكس الاقتصادية العالمية تحولاً إستراتيجياً عميقاً خاصة بعد إنضمام دول شرق أوسطية غنية بالنفط والغاز كالعربية السعودية والإمارات وإيران لها عام 2023م وإنضمام إندونيسيا عام 2025م .
2. المنافس التقليدي للولايات المتحدة الأمريكية والمتمثل في روسيا حيث شهد العالم تنافس لعقود طويلة بين الإتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية حتى نهاية الثمانينات ومع ضعف الاقتصاد الروسي وعدم قدرته على المنافسة الا أن روسيا تمثل تحدياً جيو سياسياً وأمنياً كبيراً للغرب عامة وللولايات المتحدة الأمريكية بشكل خاص وللإسباب الآتية:
أ. طبيعة التنافس الموروث بين الطرفين وقد يتجدد بإستمرار نتيجة التسابق على المصالح والنفوذ في مناطق مهمة للإقتصاد الدولي في أفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط وقد يصاحبه إنتقال في علاقاتهما التجارية نحو روسيا مما يؤهلها للدخول في منافسات مع أمريكا للإستحواذ على فوائد إقتصادية وتجارية وجيوسياسية معينة.
ب. تمتلك روسيا ترسانة نووية كبيرة وخبرات عسكرية تصنيعية مهمة ومعدات لوجستية متطورة ممكن أن تستقطب العالم لعقد شراكات ومعاهدات وتعهدات إقتصادية وابتكارية وسياسية حتى لم تعد حكراً على الولايات المتحدة الأمريكية.
ت. قيام أمريكا بمساندة أوكرانيا في حربها مع روسيا وإمدادها بالأسلحة الأمريكية قد يفتح الباب لصراع جديد مع أمريكا وقد يرافق ذلك خلق منافسات توازن دولية جديدة بين الطرفين.
ث. يمثل التعاون الروسي مع كوريا الشمالية قلقاً كبيراً لأمريكا وإن أضفنا له التعاون مع الصين ففي ذلك تصعيداً كبيراً وساخناً للتنافس مع روسيا خاصة بعد ثبات قيام كوريا الشمالية بتزويد روسيا بمعدات وذخيرة ومقاتلين للإشتراك مع روسيا في حربها مع أوكرانيا.
ج. إمتلاك روسيا أسلحة غير تقليدية وقادرة على إلحاق الضرر في أغلب القواعد العسكرية الأمريكية مما يمثل تحدي أمني وإستراتيجي مباشر للوجود الأمريكي في عدد من دول العالم.
3. محاولات واضحة لقوى إقليمية جديدة تحاول فرض إرادتها ورفض تبعيتها المطلقة لأمريكا مثل الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا وإيران ومصر وهي تسعى جاهدة لإقرار عملتها المالية الخاصة وتقليل الإعتماد على الدولار الأمريكي.
4. يمثل الداخل الأمريكي خطراً على أمريكا أكبر من أخطار منافسيها الدوليين فالإنقسام بين صناع القرار الأمريكي بدأ واضحاً للعيان ويصاحبه إستقطاب سياسي وإضطراب إجتماعي داخلي يهدد الاستقرار المجتمعي ويُضعف من قدرة أمريكا على صنع قرارات إستراتيجية بعيدة المدى حتى تبدو سياساتها الخارجية غير متوازنة وغير موثوقة بالنسبة لحلفائها مع كل دورة إنتخابية رئاسية جديدة.
إنّ أهمية التحالفات والشراكات الدولية لا تغيب عن بال صانعي القرار في السياسة الخارجية الأمريكية ودعوتهم الى رفض التحركات الإنفرادية في السياسات الدولية الأمريكية والإشارة الى أهمية تحمل الأعباء بشراكة أمريكية - دولية بدعوة تحقيق التنمية الدولية بغية كسب عطف وتقارب الشعوب مع الطروحات الأمريكية ورسوخ قناعتها بقرارات السياسة الخارجية الأمريكية المُبطَّنة بمنظور دبلوماسي حكيم ومقبول لدى الآخرين يدعو الى المساهمة الدولية في حل مشاكل العالم وترسيخ سبل التعاون والإندماج الاقتصادي المتبادَل والتعاون المشترك في حل مشاكل الطاقة والمناخ والبيئة والتركيز على أهمية التطور العلمي والتكنلوجي في تحقيق التنمية المُستدامة وضرورة مراجعة برامج السياسة الأمريكية الخارجية لتتناسب مع مصالح أمريكا وشركائها معاً قبل فوات الأوان وغَلَبة المتنافسين.
إنّ القطبية الواحدة ستزول بلا شك عندما يجري توزيع فواعل القوة وسيتحقق التغيير في ظلالها لتصبح المنظمات العالمية وسيلة للتعاون والتفاعل والتنسيق بين دول العالم وتحفظ حقوق الدول الضعيفة فيه وخلاصة القول ستبقى الولايات المتحدة سيدة الموقف لكنها قد لا تكون بلا منافس كما كانت عليه في السابق بل مضطرة للتفاوض والتعاون والمشاركة في النفوذ مع قوى أخرى لتحقيق السلام والأمن الدوليين ويأتي نزوع دول الشرق الأوسط للإعتماد على الذات في حماية أمنهم ومصالحهم في مقدمة المساعي التي يجب أن تطرق تفكيرهم وخططهم وإستراتيجياتهم بدلاً من الركون الى مظلة الآخرين من القوى العظمى وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية مما يمنحها قدراً أكبر من النضوج السياسي ومساحة واسعة من المناورة والمساومة والبحث في مصالح شعوبها وتحقيق إستقلالية قرارها السياسي فلم تعد الشعارات السياسية هي المحرك الفعلي للتأريخ بل المصالح وإستحقاقاتها والموارد والحاجة لها والتكنلوجيا الحديثة والسعي للحصول عليها لا بد أن تتواجد في علاقات الدول على أن يتم ذلك بقرار سيادي دون ضغوط خارجية وعلى العرب خاصة والعالم الثالث عامة ضرورة استغلال حالة التنافس والتناقض الدولي والإستفادة من تعدد الخيارات وعدم الإنحياز لأي طرف بل لمصالح دول المنطقة التي تقتضي إدارة التوازن بحكمة ورشادة وكسر الإحتكار وإختيار العرض الأفضل فالتنافس الدولي لا يرحم المتأرجحين بل أصحاب القرار الحكيم الّذي يعرف كيف يستغل لعبة التنافس الدولية.
الدكتور شاكر عبدالقهار الكبيسي
18 جزيران 2026م
عرض أقل
اترك تعليقا:
