كنتُ أبحث عن الأمان بينكم...
لا أكثر.
كنتُ أبحث عن زاويةٍ صغيرة
أضع فيها رأسي حين يثقلني العالم،
وعن قلبٍ لا يسألني كلما تعبت:
لماذا أنتَ متعب؟
كنت أريد مكانًا
لا أرتدي فيه درعي،
ولا أُخفي ندباتي،
ولا أراقب كلماتي
كي لا تتحول في أفواه الآخرين إلى تهمة.
جئتكم بقلبٍ أنهكته الطرق،
وبروحٍ أضناها الوقوف طويلًا
على أبوابٍ لم تُفتح.
جئتكم لا أحمل سيفًا،
ولا أطلب عرشًا،
ولا أبحث عن مجد...
كنت أبحث فقط
عن حضنٍ معنويٍّ يقول لي:
هنا تستطيع أن تتعب...
دون أن تخاف.
وحين وجدتكُم،
خلعتُ خوفي.
وهذه كانت غلطتي.
خلعتُ خوفي أمامكم،
فلم أكن أعلم
أن بعض الناس
حين يرون ضعفك
لا يحتضنونك...
بل يعرفون من أين يوجعونك.
أعطيتكم ظهري
لأني ظننت أنكم لن تطعنوه،
وأعطيتكم قلبي
لأني ظننت أنكم لن تكسروا بابه،
وأخبرتكم عن أشيائي التي أخفيها عن الجميع...
فأصبح ما أخفيته
عن العالم
سلاحًا في أيديكم.
يا لوجع الإنسان
حين يكتشف أن المكان الذي احتمى به
كان أكثر الأماكن بردًا!
كنت أبحث عن الأمان بينكم،
وحين وجدكم قلبي
قال أخيرًا:
لقد انتهى الخوف.
لكن الخوف لم ينتهِ...
كان فقط
يغيّر مكانه.
صار يسكن فيكم.
وصرتُ أخاف من الكلمة،
من الصمت،
من الغياب،
من نظرةٍ تتغير،
ومن بابٍ يُغلق دون تفسير.
صرتُ أخاف
أن أكون كثيرًا عليكم،
أن يكون حزني ثقيلًا،
أن تكون محبتي أكبر مما تحتملون،
أن يكون وجودي بينكم
مجرد مرحلةٍ عابرة
في حياةٍ لم تعتبرني يومًا بيتًا.
ثم حدث ما كنت أخشاه...
رفضني الأمان.
نعم...
حين وجدته، رفضني.
كأن الأمان قال لي:
لقد تأخرتَ...
وكأن الحياة أرادت أن تعلمني
أن بعض الأبواب
لا تُفتح إلا لتُريك
كم أنت وحيد خلفها.
لم أبكِ لأنكم تركتموني...
بكيت لأنني
لأول مرة
صدقت أنني لن أُترك.
وهذا هو الوجع الحقيقي...
أن لا يقتلك الرحيل،
بل تقتلك الثقة
التي سبقت الرحيل.
أن لا يؤلمك الغياب،
بل يؤلمك أنك كنت
تنتظر البقاء.
أن لا تنكسر من كلمة "ارحل"،
بل تنكسر لأنك كنت تظن
أن كلمة "ابقَ"
كانت مكتوبة في قلوبهم.
واليوم...
لا أريد شيئًا.
لا أريد تفسيرًا،
ولا اعتذارًا،
ولا عودةً متأخرة.
لقد تعبتُ من الأبواب
التي لا تُفتح
إلا بعد أن نفقد الرغبة في الدخول.
سأرحل...
لكنني هذه المرة
لن أبحث عن مكانٍ آخر.
سأجلس مع نفسي،
وأضم قلبي بيدي،
وأقول له:
سامحني...
كنت أبحث لك عن الأمان
في قلوب الآخرين،
ولم أعرف
أنك كنت تحتاجني أنا.
ومنذ اليوم...
لن أضع قلبي
على عتبة أحد.
لن أستجدي الطمأنينة
من عابرين.
ولن أشرح وجعي
لمن لا يرى ارتجاف صوتي.
سأتعلم أن أكون
البيت الذي أعود إليه،
واليد التي تمسح دمعي،
والكتف الذي لا يخذلني.
فقد عرفت أخيرًا:
أن أقسى ما يمكن أن يحدث للإنسان
ليس أن يفقد الأمان...
بل أن يجده،
ثم يُطرد منه.
كنت أبحث عن الأمان بينكم...
وحين وجدكم قلبي،
رفضني الأمان.
ومنذ ذلك اليوم...
لم أعد أخاف من الوحدة.
أخاف فقط
أن أثق مرةً أخرى
بمن يجعلني
أندم على أنني
فتحت له قلبي.
بقلمي: د. سداد البغدادي
بغداد- 9/9/2026
اترك تعليقا:
