-->
مساحة إعلانية

قلبٌ للبيع... أو للإيجار / د. سداد البغدادي

 

قلبٌ للبيع... أو للإيجار



ليسَ لأنّي بعتُ الحبَّ...
بل لأنَّ الحبَّ باعني،
وتركني في آخرِ الطريقِ
أعدُّ خطايَ التي عادتْ وحدها،
وأحصي نبضًا
كان يظنُّ أنَّ الوفاءَ وطنٌ لا يُغادَر.

علَّقتُ على بابِ قلبي لافتةً صغيرة:
"قلبٌ للبيع... أو للإيجار."
لا لأنَّه رخيص،
بل لأنَّ أصحابَه
كانوا يدخلونه ضيوفًا،
ثم يرحلون...
ويتركون أثاثَ الحنينِ مكسورًا.

هذا القلبُ...
سكنته امرأةٌ ذاتَ حلم،
فأزهرتْ جدرانُه،
وكان المطرُ إذا مرَّ به
يغسلُ تعبَ العمرِ كلَّه،
ثمَّ ذاتَ غيابٍ
أغلقتْ النافذةَ الأخيرة،
ورحلتْ...
فدخلتِ الريحُ،
واستوطنتْه الوحشةُ.

من يشتري قلبًا
يحفظُ أسماءَ العابرين،
ولا يجدُ اسمَه
في ذاكرةِ أحد؟

من يستأجر قلبًا
كلَّ غرفِه بكاء،
وكلُّ شرفاتِه
تطلُّ على غيابٍ واحد؟

لقد أصبحَ الليلُ
المستأجرَ الدائمَ فيه،
والصمتُ جارَه الأقرب،
والذكرياتُ
تدفعُ إيجارَها
بدمعةٍ كلَّ مساء.

قالوا:
ارمهُ...
واصنعْ قلبًا جديدًا.
فابتسمتُ بحزنٍ،
وهل يُصنعُ القلبُ
كما تُصنعُ الأشياء؟
وهل يُبدَّلُ النبضُ
إذا خانهُ النبض؟

يا أيُّها العابرون...
إن رأيتم لافتتي
فلا تضحكوا.
ادخلوا بهدوء،
واسألوا الجدرانَ
كم مرَّ عليها من مواسمِ الفقد،
واسألوا الوسادةَ
كم أخفتْ وجهي
كي لا يراني البكاء.

ولا تُساوموا...
فهذا القلبُ
لا تُقدَّرُ قيمتُه بالذهب،
بل بعددِ الخيباتِ
التي حملها
ولم يشكُ لأحد.

إن أردتَ شراءَه،
فادفعْ عمرًا
لا يعرفُ الخيانة.
وإن أردتَ استئجارَه،
فوقِّعْ عقدًا
بأن لا تتركهُ
في منتصفِ الحلم.

أما إن كنتَ
مثلَ الذين سبقوك...
فامضِ في طريقكَ،
ودعْ اللافتةَ معلَّقةً.

فقد تعبتُ
من ترميمِ قلبٍ
كلَّما شُفيَ من جرحٍ،
عادَ إليهِ
الجرحُ
بوجهٍ جديد.

وسأظلُّ أكتبُ على بابه،
حتى يقرأها آخرُ العابرين:

"قلبٌ للبيع... أو للإيجار...
لكنَّه لم يعُدْ قادرًا على السكنِ بأحد."

د. سداد البغدادي
مدرسة الإيقاع

شارك المقالة عبر:

اترك تعليقا:

الاكتر شيوعا

تابعني

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *